بازگشت

الحسين ينعي نفسه و يبكي آله


تتابعت الروايات من المؤرخين وأرباب السير علي أن الإمام الشهيد (عليه السلام) قد تأكد ما كان قد تنبأ به من قبل يوم التاسع من المحرم (أي قبل استشهاده بأربع وعشرين ساعة) بأنه مقتول لا محالة،وأن الإسلام والمسلمين سيفجعون بمصرعه قريباً، وأن خصومه وأعداءه مصممون علي الفتك به وبأصحابه، مهما كلفهم الأمر، ومهما عملوا في سبيل ذلك من وزر. وقد رويت في هذا الصدد روايات كثيرة نأتي علي بعضها تالياً ونترك المكرر منها:

1- جاء في (إرشاد) الشيخ المفيد:

(أنه في يوم الخميس 9 محرم سنة 61 هـ عصراً نادي عمر بن السعد: يا خيل أركبي وبالجنة ابشري، فركب الناس حتي زحف نحوهم العسكر، وحسين (عليه السلام) جالس إمام بيته محتبيا بسيفه، إذ خفق برأسه علي ركبتيه، فسمعت أخته زينب الضجة فدنت من أخيها فقالت: يا أخي، أما تسمع هذه الأصوات قد اقتربت، فرفع الحسين رأسه وقال:إني رأيت رسول الله (صلي الله عليه وآله) الساعة في المنام فقال، لي: إنك ترزح إلينا. فلطمت أخته وجهها ونادت بالويل. فقال لها الحسين:

(ليس له الويل يا أختاه، أسكتي رحمك الله..). [1] .


وقد قال بعض المؤرخين: إن هذا أول عويل فاجعة الحسين (عليه السلام).

2- نقل الشيخ المفيد في (إرشاده) أيضاً الرواية التالية. (قال علي بن الحسين (عليه السلام)): إني جالس في تلك العشية التي قتل أبي في صبيحتها وعندي عمتي زينب تمرضني، إذ أعتزل أبي في خبائه وعنده جون مولي أبي ذر الغفاري، وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول:



يـــا دهــر أف لــك مـــن خليـل

كم لــــك بالإشــــراق والأصيل



مــــن صــــاحب أو طالب قتيل

والـــدهر لا يــــقنع بالبديــــــل



وإنــمــا الأمــر إلي الــجــلـيــل

وكــــــل حــــي ســالك سبيـــل



فأعادها مرتين أو ثلاثا حتي فهمتها وعرفت ما أراد، فخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت وعلمت أن البلاء قد نزل.

وأما عمتي فلما سمعت ما سمعت وهي امرأة، ومن شأن النساء الرقة والجزع فلم تملك نفسها إذ وثبت تجر ثوبها وأنها لحاسرة حتي انتهت إليه فقالت. واثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت أمي فاطمة، وأبي علي، وأخي الحسن، يا خليفة الماضين وثمال الباقين. فنظر إليها الحسين فقال لها: يا أخته لا يذهبن حلمك الشيطان، وزقزقت عيناها بالدموع وقال: لو ترك القطا ليلاً لنام. [2] فقالت: يا ويلتاه أفتغتصب نفسك اغتصاب. فذلك أقرح لقلبي واشد علي نفسي. ثم لطمت وجهها وهوت إلي جيبها فشقته وخرت مغشيا عليها. فقام إليها الحسين فصب علي وجهها الماء وقال: أيهاً يا أختاه أتقي الله وتعزي بعزاء الله، وأعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك إلا وجهه..). [3] .

3- جاء في الصفحة (95) من كتاب (نهضة الحسين) لمؤلفة العلامة السيد


هبة الدين الحسيني الشهرستاني عند ذكر نعي الحسين نفسه قوله.

(إن زينباً باغتت أخاها الحسين (عليه السلام) في خبائه ليلة مقتله فوجدته يصقل سيفاً له ويقول. يا دهر أف لك من خليل (إلي آخر الأبيات المار ذكرها).

ذعرت زينب عند تمثل أخيها بهذه الأبيات، وعرفت أن أخاها قد يئس من الحياة ومن الصلح مع الأعداء، وأنه قتيل لا محالة) إلي أن يقول المؤلف الجليل -.

(فصرخت أخت الحسين نادبة أخاها وقالت: اليوم مات جدي، وأبي، وأمي، وأخي. فأخذ أخوها الحسين (عليه السلام) برأسها في حجره يرش علي وجهها من مدامعه حتي أفاقت وسعد بصرها بنظرة من شقيقها وأخذ يسليها فقال: يا أختاه، إن أهل الأرض يموتون، وأهل السماء لا يبقون، فلا يبقي إلا وجهه. وقد مات جدي وأبي وأختي وأخي وهم خير مني، فلا يذهبن بحلمك الشيطان. ولم يزل بها حتي أسكن بروحه روعها، ونشف بطيب حديثه دمعها..).

4ـ روي بن قولويه في الكاهل بسنده عن بن خارجه، قال(كنا عند أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) فذكرنا الحسين بن علي (عليه السلام) فبكي أبو عبد الله وبكينا، ثم رفع رأسه فقال: (قال الحسين بن علي: أنا قتيل العبرة، لا يذكرني مؤمن إلا بكي..). [4] .

5ـ جاء في الصفحة (98) من كتاب (مقتل سيد الأوصياء ونجله سيد الشهداء) لمؤلفه الشيخ عبد المنعم الكاظمي قوله: (إنه في ليلة العاشوراء أي مساء الخميس عندما كان الإمام الحسين يصقل سيفه ويردد شعرـ يا دهر أف لك من خليل ـ... سمعته زينب ووثبت تجر ثوبها وإنها لحاسرة حتي انتهت إليه


فقالت: واثكلاه، ليت الموت أعد مني الحياة، اليوم ماتت أمي فاطمة، وأبي علي، وأخي الحسن، يا خليفة المسلمين، وثمال البالقين ـ إلي أن قالت ـ يا ويلتاه، أفتغتصب نفسك اغتصابا؟ فذلك أقرح لقلبي، وأشد علي نفسي. ثم لطمت وجهها، وأهوت إلي جيبها فشقته ووقعت مغشية عليها. فقام إليها الحسين وصب علي وجهها الماء حتي أفاقت، وذكرها المصيبة بموت أبيه وجده، وبكت النسوة، ولطمن الخدود، وشققن الجيوب، وجعلت أم كلثوم تنادي، وامحمداه، واعلياه، وا أماه، واحسناه، واحسيناه، واضيعتاه بعدك يا أبا عبد الله...). [5] .

6 ـ جاء في الصفحة (78) من كتاب (المجالس السنية) المار ذكره بعد أن أشار إلي قطع ماء الفرات عن الإمام في اليوم السابع من محرم سنة 61 هـ وإرسال عمر بن سعد (500) فارس لمنع أصحاب الحسين من الوصول إلي الماء، وخطبة الحسين في تعريفه نفسه إلي جيش بن سعد مخاطباً بها إياهم ـ يقول: (فلما خطب هذه الخطبة، وسمعت بناته وأخته زينب كلامه بكين وارتفعت أصواتهن، فوجه إليهن أخاه العباس وعليا ابنه، وقال لهما: أسكتاهن فلعمري ليكثرن بكاؤهن..).

7ـ جاء في الصفحة (108) من كتاب (إقناع اللائم) المار الذكر ما لفظه:

(روي الكامل بإسناده إلي جعفر الصادق (عليه السلام) إنه قال: قال الحسين: أنا قتيل العبرة، قتلت مكروباً، وحقيق علي الله أن لا يأتيني مكروب إلا رده الله وقلبه إلي أهله مسروراً..). [6] .

8 ـ ورد في الصفحة (35) من كتاب (لمعة من بلاغة الحسين (عليه السلام)) المار ذكره ما لفظه: (ومن دعائه عليه السلام لما وصل أرض كربلاء، إنه جمع ولده وأخوته وأهل بيته


ثم نظر إليهم وصلي ساعة، ثم قال: اللهم أنا عترة نبيك محمد، وقد أزعجنا وطردنا وأخرجنا عن حرم جدنا وتعدت بنو أمية علينا. اللهم فخذ بحقنا، وانصرنا علي القوم الظالمين...).

9ـ وجاء في الصفحة (718) من (موسوعة آل النبي) ما نصفه: (وفي خبر: أن أبا عبد الله الحسين خرج في جوف الليل يتفقد عسكره فتتبعه نافع بن هلال، فسأله الحسين عما أخرجه، قال: يا بن رسول الله، يعز علي خروجك إلي جهة معسكر هذا الطاغية، فتلطف الإمام وقال له: ألا تسلك بين هذين الجبلين في جوف الليل وتنجو بنفسك؟ أجاب صارخاً: ثكلتني أمي، إن سيفي بألف وفرسي مثله، فوالله الذي من بك علي لا أفارقك حتي يكلأ عن فري وكري.

ثم دخل الحسين خيمة أخته زينب، ووقف نافع بازاء الخيمة ينتظره، فسمع زينب تقول لأخيها: هل استعلمت من أصحابك ثباتهم، فأني أخشي أن يسلموك عند الوثبة، قال لها:

والله لقد بلوتهم فما وجدت فيهم إلا من يستأنسون بالمنية دوني استئناس الطفل إلي محالب أمه.

فلما سمع نافع كلمة الإمام لم يملك وضعه وذهب إلي حبيب بن مظاهر فحكي له ما سمع - ثم تستطرد الموسوعة - فتقول: ومضي حبيب بأصحابه حتي شارف خيام النساء فصاح: يا معشر حرائر رسول الله، هذه صوارم فتيانكم آلوا أن لا يغمدوها إلا في رقاب من يريد السوء فيكم، وهذه أسنة غلمانكم أقسموا أن لا يركزوها إلا في صدور من يفرق ناديكم. فخرجت النساء إليهم، فضج القوم بالبكاء حتي كأن الأرض تمور...).



پاورقي

[1] ارشاد المفيد 89:2.

[2] يضرب مثلاً للرجل يستثار فيظلم. انظر جمهرة الامثال للعسکري 194:2.

[3] ارشاد المفيد 93:2، مقتل الحسين لابي مخنف،:110، تحقيق حسن الغفاري.

[4] کامل الزيارات لابن قولويه 6:108.

[5] ارشاد المفيد 93:2 مع اختلاف فيه.

[6] کامل الزيارات لابن قولويه: 7:109.